د.عصام التكروري ..صناعة الثقافة السورية و تهيّج الكولون

د.عصام التكروري ..صناعة الثقافة السورية و تهيّج الكولون

تحذير : هذه المادة تحتوي على معلومات قد تكون سببا للإصابة بتهيج الكولون ، و هو مرض بات مكلفا للغاية لأنَّ أدوية علاجه الفعّالة لا تغطيها شركات التأمين الصحي العاملة في سورية ، هذه الشركات جعلت من عقد التأمين ” عقد إذعان “، خاضع للتعديل الدوري و بالإرادة المنفردة لأصحابها و ذلك من دون أدنى اعتراض من وزارة الصحة أو النقابات العمالية، و من دون أي تدخل من الجهات الرقابية الحكومية و كأن هؤلاء باتوا يؤمنون بأن القبر هو المكان الأمثل للستر.

عندما يصيح المثقف ” أنا في القاع ” تقول البلاد ” التفت إلى يمينك تراني “، و مع ذلك لابد لنا أن نعترف بأنّ الفعل الثقافي في سوريا ظل حاضرا ـ و بإصرار ـ و تحديدا خلال الأربع سنوات الأخيرة من عمر الحرب السورية ( 2011ـ ؟ )، هذا الحضور كان نتيجة للمعادلة الذهبية “الجمهور ـ المبدعين ـ وزارة الثقافة” ، معادلة أثبتت كيف يمكن للثقافة أن تكون فعلا مقاوما للموت اليومي الذي يتحكم بسوريي الداخل، و سيُسجل لجمهور دار الأوبرا أنهم لم يهجروها على الرغم من أنها كانت ـ و مازالت عرضة ـ لأكثر قذائف الهاون حقدا و دقة في التصويب ، هذا الجمهور الذي يضع يده على رأسه كلما سقطت قذيفة على سطح الدار أثناء عرض مسرحي ، بينما يتولى قارعو الطبول في الفرقة السمفونية السورية ، و ضابطو الايقاع في حفلات الغناء مهمة التمويه على أصوات الإنفجارات من خلال دمجها مع أصوات آلاتهم ، حيلة لا تنطلي إلا على أصحاب المرور العابر بدمشق من سوريين أو أجانب.
أما الخروج من دار الأوبرا فهي قصة أخرى تبدأ بالدخول إلى موقع ” يوميات قذيفة هاون في دمشق” لمعرفة ما إذا كانت الدار محلا للاستهداف، و بعدها يتوجب الانتظار من ربع إلى نصف ساعة على سبيل الاحتياط ، ثم الخروج على دفعات مع توقع مفاجآت ، علما أن لكل مجموعة وصفتها في آلية المغادرة ، وصفة تعتمد على الحدس و التجارب السابقة في لعبة الموت مقابل المتعة.

الشتاء الماضي كان قاسيا على جمهور الثقافة السورية ، فالبرد الشديد كان بطل العروض قاطبة، فقد أدى نقص المحروقات إلى تجيير ما توافر منها لصالح مولّدة الكهرباء على حساب تشغيل أجهزة التدفئة، و بالنتيجة تحول حضور الفعاليات المُقامة إلى ” جلسات تعذيب حقيقية” لكل من يعانون من أمراض الروماتيزم و الكولون و ظاهرة ” رينو” ، و هي أمراض شائعة بين الأوساط المتابعة و الفاعلة في الشأن الثقافي السوري.

تاريخيا ، لم يكن العمل بالشأن الثقافي مصدرا لحياة كريمة بالنسبة لشريحة واسعة ممن يتعاطون الفعل الثقافي زمن السلم ، و لكن مع اشتعّال الحرب ظهر “تواطئ حميد” ما بين صنّاع الثقافة النبلاء من جهة ، و ما بين جمهورها من جهة ثانية ، فكلاهما يعتبر ان الفعل الثقافي فعل رفض ـ أو تأجيل ـ للموت القادم من “المحيط المشتعل “، أو من ” انيميا ثلاجات المطابخ “، من هنا لم يمرّ يوم من دون فعّالية ثقافية من شعر و مسرح و موسيقى و رقص و معارض و ندوات فنية ، قسم منها يتم بمبادرات خاصة و في المقاهي العامة ، هذا الإصرار يجعلنا نسأل عن الأسباب التي حالت دون تحويل الثقافة السورية من “ظاهرة” إلى “صناعة” على غرار ما هو قائم في الكثير من بلدان العالم كفرنسا مثلا ، و هنا لابد للقارئ أن يتذكر التحذير الوارد في مقدمة المادة قبل متابعة القراءة.

بيّن تقرير مشترك صادر عن وزارة الصناعة و وزارة الثقافة الفرنسيتين أن عائدات قطّاع صناعة الثقافة الفرنسية بلغت 104 مليار يورو من مجمل الناتج المحلي ، هذه العائدات موزعة على قسمين: القسم الأول هو عائدات مباشرة و قيمتها 58 مليار يورو ، و هذا المبلغ ( الذي يعادل 7 أضعاف مساهمة قطاع صناعة السيارات في فرنسا الناتج المحلي) يشمل عائدات المسرحيات ، التراث الثقافي، الفنون البصرية ، الدعاية، الفنون المعمارية ، الصحافة ، الكتاب ، الإذاعة و التلفزيون ، السينما ، عائدات المكتبات العامة و الأرشيف العام للدولة الفرنسية.
القسم الثاني هو عائدات غير مباشرة لصناعة الثقافة الفرنسية و قيمته 46 مليار يورو و هو حصيلة للصناعات التي يروج لها عبر قطّاع الثقافة ، إضافة إلى المعدّات التي يتم استخدامها في عملية إنتاجها، و الأرباح الناجمة عن أجرة الأماكن الثقافية.

تشنج الكولون هو النتيجة الطبيعية لكل من يقرأ هذا التقرير و هو يُدرك أمرين : الأول أن جمهور الثقافة السوري يملك من الشغف و الجرأة ما يجعله قادرا على الانخراط في تحويل الفعل الثقافي إلى صناعة، و الأمر الثاني هو أنّ القائمين على الشأن الثقافي العام لم تكن لديهم الإرادة في الانخراط بصناعة الثقافة السورية القائمة على الكتاب و المسرح و السينما و الموسيقى و الرقص و تشجيع السياحة الثقافية ، و ذلك خلافا لإرادتهم في الانخراط ” بصناعة الدراما السورية” و التي مازالت تسهم بتشغيل قطاع لا بأس به من الأيدي العاملة.

لا أريد أن ادخل في تفاصيل التباين بين الإرادتين و لكن هوس البعض في تصدير ” دراما غرف النوم ” و “عنتريات باب الحارة” جعلته ينقاد وراء الغث من فعل الثقافة ليبني عليه صناعة ، و عندما جاءت الحرب و ” دقر السوق ” عاد للبحث عن الثقافة الراقية فوجد شريحة واسعة من جمهورها و صنّاعها من سوريي الداخل من أصحاب ” الأمل العضال”.

اللافت اليوم هو أن ” صناعة الثقافة السورية ” غائبة عن كل المؤتمرات التي تُعقد ، و الدراسات التي تُقدم في مجال إعادة الإعمار مع توافر “البنية التحتية الفكرية” لها، هذا الأمر يدفعنا للاستنتاج بأن إرادة الانخراط في “صناعة الثقافة السورية ” مازالت غائبة فلا احد يريد أن يقتنع ـ على ما يبدو ـ بأن هذه الصناعة لو كانت موجودة خلال العقود الطويلة الماضية لكنّا قد وفرنا الكثير من الدم و المال ، و ” عمار يا سوريا عمار”.

المتوسط

شبكة المتوسط الإخبارية...من دمشــــق

اضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني. *